محمد حسين الذهبي

372

التفسير والمفسرون

اللّه تعليمهم في سرائرهم بما أنزله في كتبه وعلى ألسنة رسله وهو العلم الصحيح عن العالم المعلم الذي لا يشك مؤمن في كمال علمه ولا غير مؤمن ؛ فإن الذين قالوا : إن اللّه لا يعلم الجزئيات ما أرادوا نفى العلم عنه ، وإنما قصدوا بذلك أنه تعالى لا يتجدد له علم بشيء ، بل علمها مندرجة في علمه بالكليات ، فأثبتوا له العلم سبحانه مع كونهم غير مؤمنين ، وقصدا تنزيهه سبحانه في ذلك وإن أخطئوا في التعبير عن ذلك ، فتولى اللّه بعنايته لبعض عباده تعليمهم بنفسه بإلهامه وإفهامه إياهم « فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها « 1 » » في إثر قوله : « وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها « 1 » » فبين لها الفجور من التقوى إلهاما من اللّه لها لتجتنب الفجور وتعمل بالتقوى ) . ( وكما كان أصل تنزيل الكتاب من اللّه على أنبيائه ، كان تنزيل الفهم على قلوب بعض المؤمنين به ، فالأنبياء عليهم السلام ما قالت على اللّه ما لم يقل لها ، ولا أخرجت ذلك من نفوسها ولا من أفكارها ، ولا تعلمت فيه ، بل جاءت من عند اللّه ، كما قال تعالى : « تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ « 3 » » وقال فيه إنه « لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ « 3 » » وإذا كان الأصل المتكلم فيه من عند اللّه ، لا من فكر الإنسان ورويته - وعلماء الرسوم يعلمون ذلك - فينبغي أن يكون أهل اللّه العاملون به أحق بشرحه وبيان ما أنزل اللّه فيه من علماء الرسوم ، فيكون شرحه أيضا تنزيلا من عند اللّه على قلوب أهل العلم كما كان الأصل . وكذا قال علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه في هذا الباب ( ما هو إلا فهم يؤتيه اللّه من يشاء من عباده في هذا القرآن ) . فجعل ذلك عطاء من اللّه ، يعبر عن ذلك العطاء بالفهم عن اللّه ، فأهل اللّه أولى به من غيرهم . فلما رأى أهل اللّه أن اللّه قد جعل الدولة في الحياة الدنيا لأهل الظاهر من علماء الرسوم ، وأعطاهم التحكم في الخلق بما يفتون به ، وألحقهم بالذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون - وهم في إنكارهم على أهل اللّه يحسبون أنهم يحسنون صنعا - سلم أهل اللّه لهم أحوالهم لأنهم علموا من أين تكلموا ، وصانوا عنهم

--> ( 1 ) الآية ( 7 ، 8 ) من سورة الشمس . ( 3 ) في الآية ( 42 ) من سورة فصلت ؛ على التقديم والتأخير .